ابن كثير
117
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يحكم بينهم بما في كتابنا . وقوله وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ أي آراءهم التي اصطلحوا عليها ، وتركوا بسببها ما أنزل اللّه على رسله ، ولهذا قال تعالى : وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ أي لا تنصرف عن الحق الذي أمرك اللّه به إلى أهواء هؤلاء الجهلة الأشقياء . وقوله تعالى : لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو خالد الأحمر عن يوسف بن أبي إسحاق ، عن أبي إسحاق عن أبيه ، عن التميمي ، عن ابن عباس لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً قال : سبيلا . وحدثنا أبو سعيد ، حدثنا وكيع عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن التميمي ، عن ابن عباس وَمِنْهاجاً قال : وسنة ، كذا روى العوفي عن ابن عباس شِرْعَةً وَمِنْهاجاً سبيلا وسنة ، وكذا روي عن مجاهد وعكرمة والحسن البصري وقتادة والضحاك والسدي وأبي إسحاق السبيعي ، أنهم قالوا في قوله شِرْعَةً وَمِنْهاجاً أي سبيلا وسنة ، وعن ابن عباس أيضا ومجاهد ، أي وعطاء الخراساني عكسه شِرْعَةً وَمِنْهاجاً أي سنة وسبيلا ، والأول أنسب ، فإن الشرعة وهي الشريعة أيضا هي ما يبتدأ فيه إلى الشيء ، ومنه يقال : شرع في كذا ، أي ابتدأ فيه ، وكذا الشريعة وهي ما يشرع فيها إلى الماء . أما المنهاج فهو الطريق الواضح السهل ، والسنن الطرائق . فتفسير قوله : شِرْعَةً وَمِنْهاجاً بالسبيل والسنة أظهر في المناسبة من العكس ، واللّه أعلم . ثم هذا إخبار عن الأمم المختلفة الأديان ، باعتبار ما بعث اللّه به رسله الكرام من الشرائع المختلفة في الأحكام المتفقة في التوحيد ، كما ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « نحن معاشر الأنبياء إخوة لعلات ، ديننا واحد » « 1 » يعني بذلك التوحيد الذي بعث اللّه به كل رسول أرسله وضمنه كل كتاب أنزله ، كما قال تعالى وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [ الأنبياء : 25 ] وقال تعالى : وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [ النحل : 36 ] الآية ، وأما الشرائع فمختلفة في الأوامر والنواهي فقد يكون الشيء في هذه الشريعة حراما ، ثم يحل في الشريعة الأخرى ، وبالعكس ، وخفيفا فيزاد في الشدة في هذه دون هذه ، وذلك لما له تعالى في ذلك من الحكمة البالغة ، والحجة الدامغة . قال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة : قوله لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً يقول : سبيلا وسنة ، والسنن مختلفة ، هي في التوراة شريعة ، وفي الإنجيل شريعة ، وفي الفرقان شريعة ، يحل اللّه فيها ما يشاء ويحرم ما يشاء ، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه ، والدين الذي لا يقبل اللّه غيره ، التوحيد والإخلاص للّه الذي جاءت به جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام .
--> ( 1 ) صحيح البخاري ( أنبياء باب 48 )